محمد غازي عرابي

824

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

الانفصال كجوهر ونور قديم ، لهذا يقال هو لا متصل ولا منفصل ، فإذا أردت أن ترفع اللّه فوق العالم كفرت إذ سترت وحجبت وفصلت ، وإذا أردت أن تجعل اللّه العالم كفرت أيضا لأن العرض والإمكان ليسا كالديمومة ، والعالم برمته مجموعة صور متحركة لاثبات لها على حال ، واللّه خلق الصور ليراه الإنسان من خلال صوره أي صفاته ، فإذا عرفت عرفت من هو ، وأين هو ، وكيف يفعل وكيف يكون الحي القيوم الخالد الأبدي الذي غيره لا يدوم . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 43 ] هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ( 43 ) [ الأحزاب : 43 ] الصلاة الصلة ، فالجوهر يطلب العرض ، لأن نورا لا يقدح نارا لا قيمة له ، ولو بقي الذهب عروقا مدفونة في الأرض لما كان ذهبا ، إذ ما قيمة كنز لم يستخرج ويستثمر ويعرف ، فصلاة اللّه صلة الأصل بالفرع . أما صلاة الملائكة فهي صلة الأسماء بالمسميات ، أي صلة المعقولات بالعقل الهيولاني المادي ، أو صلة الصفات بالموصوف ، والصلة دائمة ، فالملائكة جند اللّه يفعلون ما يؤمرون ، وفعلهم في القلب كما بينا هذا من قبل ، ولهذا كان من الملائكة على جهنم التي هي محل لتعينات أسماء الجلال ، وقد وصف سبحانه هؤلاء الملائكة بأنهم شداد غلاظ لا يعصون اللّه ما أمرهم . والإخراج من الظلمات إلى النور الخروج من أسر عالم المادة والمحسوسات إلى عالم الروح والمعقولات ، وما قيمة الإنسان إلا بعقله ، والعقل الذي لم يرتفع إلى مستوى المعاني والتجريد والتفكر في خلق السماوات والأرض عقل ناقص ينحط إلى مستوى البهيمة بل هو أضل سبيلا . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 44 ] تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً ( 44 ) [ الأحزاب : 44 ] اللقاء لقاآن مؤقت ودائم ، أما المؤقت فهو للمكاشفين الذين يكشف اللّه عنهم الغطاء فيصير بصرهم حديدا ، وهؤلاء المكاشفون يناديهم اللّه من جانب طور قلوبهم المسمى الطور الأيمن في القرآن ، فيظهر اللّه من ثم في التضاد ، ويكشف سر التضاد ، فإذا جهنم التضاد قد صارت بردا وسلاما على المكاشف كما حدث لإبراهيم عليه السّلام ، وكون هذا اللقاء مؤقتا يعني أن اللّه يبرز ساعات سماها عليه السّلام نفحات ، ثم يعود إلى التواري وراء صوره ، وسمى عليه السّلام هذا الحال سوقا ، وقال إنه من الجنة وأصحابه في الجنة كما جاء في الحديث : ( إن في الجنة سوقا ما فيها بيع ولا شراء إلا الصور من النساء والرجال ، فإذا اشتهى الرجل صورة